فرض محروس أساس الاجتماع البشري تحليل ومناقشة نص فلسفي

إنشاء فلسفي مفهوم المجتمع قضية أساس الاجتماع البشري، مستوى السنة أولى باكالوريا آداب وعلوم،

الموضوع؛ فرض محروس، صيغة النص؛ حلل وناقش،

 "وكل واحد من الناس مفطور (من الفطرة) على أنه محتاج، في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته، إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها هو وحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه. وكل واحد من كل واحد بهذه الحال. فلذلك لا يمكن أن يكون الإنسان ينال الكمال، الذي لأجله جُعلت الفطرة الطبيعية، إلا باجتماعات جماعة كثيرة متعاونين، ويقوم كل واحد لكل واحد ببعض ما يحتاج إليه في قوامه؛ فيجتمع، مما يقوم به جملة الجماعة لكل واحد، جميع ما يحتاج إليه في قوامه وفي أن يبلغ الكمال. ولهذا كثرت أشخاص الإنسان، فحصلوا في المعمورة من الأرض، فحدثت منها الاجتماعات الإنسانية". حلل وناقش

المطلوب كتابة إنشاء فلسفي / موضوع مقالي يحترم شروط الكتابة الفلسفية المنظمة وفق الخطوات المنهجية الخاصة بتحليل ومناقشة نص؛

مطلب الفهم / التقديم 4ن

يتميز الإنسان بالتركيب (نفس / جسم) ويترتب عن هذا الأمر تعدد أبعاده؛ بيولوجية، نفسية، معرفية، تاريخية، اجتماعية، ... فهو من حيث تكوينه الجسمي كائن بيولوجي / شهواني، ومن ناحية النفس أو الروح فهو كائن يتصف بالعقل والتفكير والإبداع والرغبة والإرادة والميل إلى العيش والانتظام في جماعة. كائن له مبادئ وقيم ثقافية واجتماعية تعبر عن انتمائه لجماعة بشرية ما، وهذا يعني أنه يعش في إطار جماعة أو مجتمع، ويشير المجتمع إلى التجمع البشري المنظم القائم على تبادل الحاجات والخيرات وتفاعل أفراده وفق شبكة من العلاقات المتداخلة والمنظمة وفق ميثاق. ويعبر النص موضوع الاشتغال عن مفارقة ضمنية، مضمونها أن المجتمع نشأ بحكم الميل الفطري للاجتماع وحاجة الناس لبعضهم بالطبيعة، ومن جهة ثانية نجد أن اساس المجتمع هو التعاقد والممثل في الميثاق الذي ضمن الأمن والتعايش، وتلبية الجميع حاجاتهم بشكل منظم بفضل المؤسسات التي أنشؤوها، الأمر الذي يطرح إشكال أساس المجتمع البشري، إشكال يمكن التعبير عنه من خلال جملة من التساؤلات من قبيل: ما المجتمع؟ كيف ظهر عبر التاريخ؟ هل هو نتاج للضرورة الطبيعية أي فطري أم نتاج اتفاق وتعاقد؟ لماذ لا يكتمل وجود الفرد  بالفطرة الطبيعية إلا بالجماعة؟

مطلب التحليل 5ن

يحاول النص الإقناع بأطروحة مفادها أن الاجتماع البشري نتاج الفطرية الطبيعية. أي أن تشكل المجتمع جاء تحقيقا وانسجاما مع الطبيعة والفطرة الإنسانية، التي تفرض على الناس الحاجة إلى مساعدة بعضهم البعض، للعيش وتلبية الحاجيات الأساسية، عبر التعاضد والتضامن المتبادل، يقول صاحب النص (الفارابي): "ولهذا كثرت أشخاص الإنسان، فحصلوا في المعمورة من الأرض، فحدثت منها الاجتماعات الإنسانية".

   وقد انبنت هذه الأطروحة على مفهوميين أساسيين هما: الفطرة الطبيعية، والاجتماعات الإنسانية، ويقصد بمفهوم الفطرة الطبيعية ما خُلِقَ وجُبِل عليه الإنسان، أي أنه ولد وهو مؤهل للقيام به كالتكتل والإنتظام في تجمعات بشرية منظمة لتلبية حاجاته الضرورية، أما مفهوم الاجتماعات الإنسانية فيدل على كل جماعة من الناس أو الأفراد تجمعوا في مجال ترابي جغرافي معين فشكلوا بذلك وحدة منظمة تكفل للجميع حاجياتهم الأساسية. هذين المفهومين متلازمين إلى حد أنهما شكلا بترابطهما أطروحة النص، ذلك أن كل تجمع بشري انبنى في أساسه على ميل فطري طبيعي لدى الإنسان.

 ولتبليغ أطروحته وإقناع القارئ بها اعتمد صاحب النص بعض الأساليب الحجاجية من أهمها؛ الاستقراء حيث تدرج من عناصر جزئية كعدم كفاية واستطاعة الإنسان بالفرد بلوغ ما يسعى إليه لوحده، وكذا حاجة الواحد منا إلى الآخرين ليساعدوه على تحقيق حاجاته وبلوغ أفضل كمالاته، كل ذلك بفعل الفطرة التي خُلِقَ عليها، مما يبرز أهمية الاجتماع والانتظام مع الآخرين في جماعات، ليخلص إلى أن الاجتماعات البشرية إنما تكونت بحكم الفطرة الطبيعية التي خُلِقَ عليها الإنسان. كما اعتمد إلى جانب الاستقراء على حجة واقعية، فالواقع يؤكد حاجة الواحد من الجنس البشري إلى جماعة من الناس ليلبي له كل واحد منهم ما يحتاج إليه، "بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه".

نخلص من خلال عملية تحليل النص إلى أن أساس الاجتماع البشري طبيعي فطري وضروري، لكن ألا يمكن أن يكون للمجتمع أساس آخر غير الضرورة والفطرة الطبيعية؟ ما هي قيمة وحدود أطروحة النص؟

مطلب المناقشة؛ قيمة الأطروحة وحدودها 3ن، توظيف المواقف من باب فتح امكانات أخرى للتفكير في الإشكال؛ 2ن [مهما كان عدد المواقف الموظفة]،

لقد أبرز صاحب النص كيف أن الاجتماعات الإنسانية ظهرت بحكم الفطرة الطبيعية لدى الجنس البشري نحو الاجتماع، وهي الأطروحة التي تكتسي أهمية وقيمة من الناحية الفلسفية أو الفكرية، وكذا من الناحية الحجاجية والواقعية، حيث أبرزت لنا أهمية البعد الطبيعي الفطري، ومدى حاجة كل واحد منا للآخر، وكيف ساهم ذلك في تعاضد الناس وتعاونهم فيما بينهم ما أدى إلى ظهور المجتمع الإنساني. أطروحة نجد لها حضورا قويا لدى كل من فلاسفة اليونان (أفلاطون أرسطو)، وبعض الفلاسفة المسلمون أمثال عبد الرحمان ابن خلودون، فهذا الأخير يرى أن أساس الاجتماع البشري ضروري وطبيعي، فالإنسان بالفرد لا يستطيع تلبية حاجياته، إنما لا بد له في ذلك من التعاون والتكامل مع أفراد آخرين من نوعه أو جنسه حتى يتسنى له سد حاجاته الإنسانية وضمان البقاء، وتحقيق مبدأ الإستخلاف الإلهي للإنسان في الأرض.

لكن وبالرغم من قوة الحجج التي اعتمدها صاحب النص لإقناعنا بأطروحته، فإن لتلك الأطروحة نقاط ضعف تبرز حدودها، وذلك من الناحية الفكرية حيث أغفلت بعدا أخر لا يقل أهمية بخصوص أساس المجتمع الإنساني، وهو البعد الاتفاقي التعاقدي، حيث نجد في هذا الصدد شبه اجماع أو اتفاق بين فلاسفة العقد الاجتماعي (مونتسكيو، فولتير، هوبز، روسو، لوك، اسبينوزا..) حول فكرة أصل نشأة المجتمع، والتي مفادها أن الناس وسعيا وراء حياة يسودها الأمن والسلم والتعايش اتفقوا على الانتقال من حال الحرية الفردية أو المطلقة (حالة الطبيعة) إلى مجال الحرية المدنية المنظمة والمسؤولة حيث القوانين والتنظيم المؤسساتي، أي حالة المجتمع أو المدينة - الدولة. وذلك بتفويض أمر تدبير شؤون الجماعة إلى جهة أو هيئة منتخبة تسهر على تطبيق القانون المتفق عليه.

لكن وعلى خلاف ما أقر به كل من صاحب النص أو فلاسفة التعاقد، نجد أن هناك باحثين آخرين يرجعون أصل الاجتماع البشري إلى مبدأ آخر غير  مرتبط بالتعاقد الإرادي الحر ولا بالفطرة الطبيعية كما بَيَّنَ حكماء اليونان أفلاطون وأرسطو ولا من صار على خطاهم من فلاسفة الإسلام الفارابي وابن خلدون... ومن هؤلاء الباحثين نستحضر الأنثروبولوجي كلود ليفي ستراوس، الذي أرجع أصل المجتمع إلى ظهور العائلة، والتي بدورها ارتبطت نشأتها بمبدأ تحريم انتهاك المحارم، وهذا نتجَ عنه تبادل النساء عبر الزواج أو علاقة المصاهرة والقرابة بين أسرتين مختلفتين، وهكذا دوالك، فكثرت أعداد الناس والعائلات، مما أسفر عن ظهور ما يسمى بالمجتمع.

مطلب التركيب (الخاتمة) 3ن؛

إذن، وعلى سبيل الختم، اتضح أن قضية أساس الاجتماع البشري، لم تخرج هي أيضا عن طابعها الفلسفي حيث أفرزت لنا مواقف مختلفة، فهناك من أرجع أصل المجتمع إلى الفطرة الطبيعية، بينما أرجعه أخرون إلى الاتفاق والمواضعة، بيمنا ذهب ستراوس إلى دحض كل ذلك وإبراز أساس أخر للمجتمع وهو مبدأ التحريم كنواة أولى للعائلة وبالتالي للمجتمع.

وتتجلى أهمية الإشكال وراهنيته في البعد المعرفي، أي التعرف على مختلف المبادئ والأسس التي يرجع إليها المجتمع البشري في نشأته، والتعرف على أهمية الاتفاق والتعاقد بين الأفراد  واحترام القوانين في ترسيخ قيم التعايش والسلم..

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو؛ أيهما أسبق الفرد أم المجتمع؟ وكيف يستطيع المجتمع ضبط سلوكات الأفراد وعلاقاتهم فيما بينهم؟

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق