التجربة والتجريب العقلانية العلمية معايير صلاحية النظريات

جميع محاور مفهومي النظرية والتجربة

تقديم إشكالي:

ما المقصود بالتجربة، والتجريب، والنظرية؟ ما الفرق بين التجربة والتجريب؟ وكيف يتم بناء النظرية العلمة؟ وما معيار صدقها؟ وما طبيعة التفكري العلمي؟ هل تبنى النظرية على أساس التجربة أو التجريب أم على أساس العقل أم تبنى عليهما معا؟ وهل التحقق التجريبي أم التماسك المنطقي هو ما يتيح إثبات صحة ما يتوصل إليه العلم من نظريات أم هناك معايير أخرى؟ وهل العقلانية العلمية كلاسيكية منغلقة أو معاصرة منفتحة؟ اختبارية أم مجردة أو لا هي اختبارية كلية أو مجردة خالصة؟

النزعة التجريبية الاختبارية الكلاسيكية؛ "كلود برنار" خطوات المنهج التجريبي؛ التجربة أساس النظرية العلمية

يبين "كلود برنار" أهم خطوات المنهج التجريبي بدأ بالملاحظة الدقيقة والشاملة للظاهرة، ثم الفرضية كحل وتفسير مؤقت للظاهرة، فمرحلة التجريب لفحص واختبار الفرضيات والتأكد منها، فالاستنتاج أو القانون الذي يمكن تعميمه على ظواهر أخرى مشابهة. ويمثل التجريب العلمي عنده أساس بناء النظرية والقوانين العلمية، ولتأكيد ذلك قدم لنا "برنار" مثالا عن عملية التجريب وكيف يساهم في صياغة قوانين ونظريات علمية، فقد لاحظ أن الأرانب رغم كونها كائنات عاشبة بالت بولا صافيا وحمضيا مثل أكلة اللحوم، فصاغ فرضية، انطلق منها وللتأكد من صحتها قام بعدة تجارب حيث قدم الطعام للأرانب وبعد فترة بالت بولا مكدر اللون وغير حمضي ومنع عنها الطعام لفترة فتغيرت النتيجة حيث كان بولها صافيا وحمضيا، وللتأكد من النتيجة أجرى التجربة على الخيول فحصل على النتيجة نفسها، فصاغها في قانون عام، هو أن كل الكائنات العاشبة عندما تمسك عن الطعام تشبه الكائنات اللاحمة بحيث يتحول لون بولها من مكدر غير حمضي إلى صاف وحمضي.

يتبن مما سبق، - حسب "بيكون"، "برنار" - أن التجريب العلمي المخبري كسيرورة منهجية تمثل فيها التجربة لحظة أساسية وحاسمة في صياغة القوانين والنظريات العلمية بل الأساس الذي تنبني عليه تلك النظريات، ومعيار علميتها، من خلال التحقق من صحتها تجريبيا ومطابقتها للواقع. 

   لكن التصور الذي عبر عنه "برنار" قد أصبح كلاسيكيا حسب الكثير من العلماء، وخاصة في ظل الحديث عن موضوعات ماكروفيزيائية وميكروفيزيائية، مما يستدعي طرح السؤال التالي؛ إلى أي حد يمكن قياس موضوعات (الشمس، الكون، الذرة، الالكترون مثلا) والتجريب عليها مخبريا باعتماد خطوات المنهج التجريبي؟ بمعنى أخر إذا كان التجريب العلمي عاجر ولا يمثل نقطة انطلاق العلوم، فعلى أي أساس يمكن بناء نظرية علمية تتيح تفسير تلك الظواهر؟

تصور النزعة الاختبارية المعاصرة مع طوم، وكويري: الخيال والتجريب العلمي الذهني

إن هذه التساؤلات تأتي في إطار إبراز محدودية التصور القائل بأن التجربة تمثل نقطة انطلاق العلوم، والتأكيد على غرار ذلك، على أساس وبعد أخر للتجريب العلمي، وهو حضور الخيال أو التجريب الذهني، فهذا "روني طوم" يؤكد من خلال قوله : "إن التجريب وحده عاجز عن اكتشاف سبب أو أسباب ظاهرة ما، ففي جميع الأحوال ينبغي إكمال الواقعي بالخيالي" أن التجربة العلمية كما تبلورت مع مؤسسي المنهج التجريبي لم تعد قادرة عن تفسير الظواهر، لذلك لابد من عنصر الخيال، الخيال باعتباره تجربة ذهنية تمنح الواقع غنى.

      وعليه فإن الواقعة التجريبية لا يمكن أن تكون علمية – في نظر رونيه طوم – إلا إذا استوفت شرطين هما: أن تكون قابلة لإعادة الصنع أو التجريب، وهذا يتطلب أن تكون محاضر إعداد التجربة وإجرائها دقيقة بما يكفي للتمكن من إعادتها في أزمنة وأمكنة أخرى، أن تثير اهتماما قد يكون تطبيقيا أو نظريا، يتمثل الاهتمام التطبيقي في الاستجابة لحاجيات بشرية. أما الاهتمام النظري فيعني أن البحث يدخل ضمن إشكالية علمية قائمة. في هذه الحالة، يكون الهدف من التجريب – حسب طوم – هو التحقق من صدق فرضية ما (نظرية) تتضمن قضايا عقلية يتم التسليم بوجودها، كالعلاقات السببية، أي الربط بين السبب والنتيجة.

موقف ألكسندر كويري

إن الحديث عن التجربة ودورها البارز في تشكل العلم الكلاسيكي. لم يرق لألكسندر كويري، ففي الأمر غموض، بالنسبة له، فالتجربة بمعناها الخام والملاحظة العامية، في نظره، لم تلعب أي دور في نشأة العلم الكلاسيكي، اللهم إلا دور العائق. أما التجريب، وهو المساءلة المنهجية للطبيعة، فيفترض افتراضا مسبقا اللغة التي يطرح من خلالها العالِم أسئلته، حيث يسائل الطبيعة بلغة رياضية، أو بتعبير أدق بلغة هندسية.

تصور النزعة العقلانية الكلاسيكية؛ "انشتاين" العقل الرياضي أساس المعرفة العلمية

على خلاف ما ذهب إليه برنار و"روني طوم" يؤكد "انشتاين" أن العقل هو ما يتيح بناء وإنشاء نظرية العلمية في الفيزياء النظرية، "إن نسقا كاملا من الفيزياء النظرية يتكون من مفاهيم وأفكار وقوانين تربط بينها"، وهذه المفاهيم إبداعات حرة للعقل الرياضي، وما يمكن للتجربة القيام به سوى التوجيه والارشاد في وضع الفرضيات وهذا دور ثانوي، ذلك أن العقل هو المبدأ الخلاق للنظرية العلمية. كما أن صلاحيتها، تقاس بمدى تماسك عناصرها منطقيا (تطابق الفكر مع ذاته)، بحيث إذا ما أغفلنا عنصرا ما لا يكون تفسير الظاهرة المدروسة صحيحا إن لم يكن غير ممكن. فنتائج النظرية دائما صحيحة وعلى نتائج التجربة أن تتطابق معها.

تصور الابستمولوجيا المعاصرة :التكامل بين التجربة (الواقع) والنظرية (العقل)؛ باشلار نموذجا؛

ينتقد الابستمولوجي الفرنسي المعاصر "باشلار" كلا النزعتين العقلانية الرياضية والتجريبية الاختبارية، فاعتماد العقل أو التجربة كمصدر وأساس وحيد لبناء النظرية العلمية وتأسيس علوم فيزيائية لا يقدم أية مساهمة أو إضافة تذكر، إذ لا يمكن بناء الحقيقة (نظرية) العلمية في الفيزياء المعاصرة بدون الدخول في حوار فلسفي بين العالِم العقلاني والعالِم التجريبي، ف "لا توجد عقلانية فارغة، كما لا وجود لاختبارية عمياء"، بمعنى أن الواقع في قبضة ما هو عقلي، والحجج والبراهين العقلية مرتبطة بالمعطيات التجريبية. وعليه فالعقلانية العلمية في نظر "باشلار" ليست بعقلانية منغلقة ومطلقة؛ رياضية مبدعة أو تجريبية اختبارية، بل عقلانية مطبقة منفتحة. أو كما عبر عن ذلك "فيرنان" أكثر مرونة ونسبية.

لكن هل يمكن الاعتداد سواء بمعيار التحقق التجريبي أو معيار التماسك المنطقي لوصف نظرية ما بالعلمية، أم أن معيار القابلية للتكذيب هو الأنسب؟

 تصور "كارل بوبر"، معيار القابلية للتكذيب

يرى "كارل بوبر" من جهته أن التحقق التجريبي ليس هو المعيار السيم للتعرف على صحة وصدق النظرية العلمية، بل قابليتها للتفنيد أو التكذيب، "لن أستطيع الزعم بأن نظريتي لها خاصية النظرية التجريبية، غلا إذا كنت أستطيع أن أقول كيف يمكن تفنيد نظريتي أو تكذيبها". فالنظرية العلمية هي التي تستطيع أن تقدم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها وتبرز نقط ضعفها وتُخضِعُ، بصفة قبلية، فروضها لمعيار القابلية للتفنيد. لذلك "فإن النظرية التي تعرف أنه لا يمكن تبيان العيب فيها أو تفنيدها لهي نظرية غير قابلة للاختبار". أي نظرية خارج مجال العلم التجريبي أو إنها غير علمية.

ملاحظة وتوجيه:
  • تم دمج محاور الزوج المفهومي: النظرية والتجربة:
اعتبارا للتداخل الكبير بين الإشكالات التي تثيرها، فأي قضية كانت، أو طرحت كموضوع للنقاش من قضايا هذا الدرس، تستلزم بشكل ما، الوقوف على ما تقدم من تصورات فكرية لمعالجتها بشكل أكثر شمولية، واقتصادا للجهد وربحا للوقت، وتفاديا للتكرار.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق