مسألة العلمية في علم الاجتماع نموذجية علم الاجتماع (السوسيولوجيا)

موضوع مقالي حول علم الاجتماع، موضوعه، مناهجه، نظرياته: (مسألة العلمية)

مدخل إشكالي

     لئن كانت العلوم الطبيعية قد نشأت وظهرت من خلال تجارب الإنسان العلمية، وذلك لأن الظواهر الطبيعية تفرض نفسها على الإنسان وتجبره على إيجاد أسبابها وتفسيرها تفسير علميا، فإن التفكير في العلوم الإنسانية كان نتيجة المشاكل والأزمات التي غالبا ما تكون المجتمعات مسرحا لها. لقد مهدت اسهامات فكرية وفلسفية عدة لظهور السوسيولوجيا، مثل كتاب أرسطو في "السياسة" و"مقدمة" ابن خلدون، كما ساهمت التحولات التي عرفتها المجتمعات الغربية على كل المستويات خلال القرن 19 في نشأة علم الاجتماع. فالمعارف عموما تتشكل بشكل بطيء لتتجسد في الأخير بشكل علوم مستقلة. إذا كان الأمر كذلك فهل يمكن اعتبار علم الاجتماع فعلا علما قائم الذات؟ أو بالأحرى هل بإمكان السوسيولوجيا بلوغ الدقة العلمية مثل التي حققها العلوم الطبيعية؟ وأي نموذج يترى سيسير على نهجه علم الاجتماع؟

طموح العلمية

     إن من أكبر مطامح السيسيولوجيا منذ نشأتها الوصول إلى الدقة العلمية ( أن تصبح علما بالمعنى الحقيقي لهذا المفهوم "علم" ). ولقد قضى مؤسس هذا العلم وقتا طويلا في إتباث الأصل الاجتماعي للعديد من المؤسسات وأنماط التفكير والفعل. ولعل الرغبة في الوصول إلى مرحلة أرقى من الصلابة العلمية هي ما يوحد علماء الاجتماع ويجعلهم يتفقون على لغة مشتركة ، ومع ذلك فإن السوسيولوجيا لم تحقق بعد مطمحها العلمي، ولذلك يقول بيير بورديو إن علم الإجتماع هو علم تكمن خصوصيته في الصعوبة الخاصة التي تواجهه ليصبح كالعلوم الأخرى ".

الفرق بين العلوم الإنسانية والطبيعية

لقد ظل هاجس العلمية مرافقا لعلم الإجتماع ، نظرا لما حققته العلوم الطبيعية من تقدم الشيء الذي أدى بمفكري القرنين 18و 19 إلى اعتبار تلك العلوم النموذج الأمثل والوحيد للعلم والعلمية ، وأدى ذلك إلى المشاكل الإبستيمولوجية الراهنة التي تعيشها العلوم الإنسانية خصوصا السيسيولوجيا ، وذلك راجع إلى عدم إدراك هؤلاء المفكرين للفوارق الموجودة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية: الفارق الأول يمكن ملاحظته على مستوى النتائج والتنبئات ، إن مجرد التنبؤ بأحداث العلوم الإنسانية يمكن أن يؤثر في إنتاج تلك الأحداث. وذلك بخلاف التنبؤ في العلوم الطبيعية . ففي العلوم الإنسانية غالبا ما ندرس السلوكات الإرادية أو بعبارة أخرى إننا ندرس أحداث ووقائع تتطور إنطلاقا من نقطة بدء معينة، أي أن الظواهر تختلف من اجتماع الناس الذي يمكن أن يغيروها بتغير وتقدم ظروف حياتهم ومحيطهم الإجتماعي، وهذا لا يحدث بالنسبة للظواهر الطبيعية

الفارق الثاني : يكمن ويتعلق بمجال البحث . فالبحث في العلوم الطبيعية يعتبر. محيط ووسط بحثه بعيدا وخارج محيطه الإجتماعي، هذا المحيط يؤثر في الباحث لذلك تعتبر المعرفة العامة من أهم العوائق العلمية .وهذا ما أشار إليه " جان بياجي" في قوله :  " إن موضوع علم الإجتماع هو النحن الجماعية ،التي يصعب كثيرا إدراكها بالموضوعية وسيما أن شخص الإجتماع يعتبر في عداد ما إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة ".

إن ما دفعنا إلى التطرق إلى هذه الفوارق هو كون العلوم الإنسانية تريد أن تكون في مثل دقة وصرامة العلوم الطبيعية. هذه العلوم التي مارست ومازالت تمارس تأتيرا قويا على العديد من الاتجاهات السوسيولوجية وأكثر إدراكا ووعيا بتلك الفوارق ،لذلك لا ترى من الضروري اتخاذ نموذج العلوم الطبيعي كنموذج  بالنسبة للعلم الإنساني.

اتجاهات السوسيولوجيا

     وتبعا لذلك فإن هناك في علم الإجتماع إتجاهين أساسيينالإتجاه الذي يسعى إلى تصنيف العلوم الإنسانية والسوسيولوجيا خصوصا ضمن العلوم الطبيعية ( الإتجاه الوضعي ). بالنسبة لهذا الإتجاه يمكن القول بأنه نشأ مع نشأة علم الإجتماع. بل يمكن إعتباره من أسباب نشأة علم الإجتماع . وقد ترسخ هذا الإتجاه وظهور التحقيقات الميدانية التي أنجزها بعض المهتمين بالقضايا الإجتماعية، الذين يؤمنون بأن تطبيق مناهج العلوم الطبيعية، هو السبيل لفهم الظواهر الإجتماعية، واعتبار هذه الظواهر مثلها مثل الظواهر الطبيعية، قابلة للتصنيف والقياس. وفي هذا الإطار ظهرت دراسات Booth و Quetlet ، ونظرا لإيمانه الشديد بالعلم الوضعي، يدعو سان سيمون إلى القطيعة مع المعرفة التأملية التخمينية لإستبدالها بالمعرفة الوضعية، لأن هذه المعرفة ( الوضعية ) هي الكفيلة بالإسراع والتقدم على المستويين الإجتماعي والفكري. إن هذا الإتجاه يسعى إلى دراسة كل المواضيع الإجتماعية في حياد ايكسيولوجي تام دون الأخذ بعين الإعتبار أراء وتصورات الأفراد، وعليه فإن هذا التيار يرجع كل الظواهر والأفعال الإنسانية إلى محددات خارجية بالنسبة للأفراد.

الفينومينولوجيا أو الظاهراتية عند هوسرل

ثم الإتجاه الفينومينولوجي، الذي يعمل على تصنيف علم الإجتاع ضمن العلوم الانسانية، التي تتميز بعلمية من نوع خاص. نظرا لطبيعة الموضوع السوسيولوجي الذي يختلف عن نظيره الطبيعي. فإذا كان الإتجاه الوضعي يعتبر تقليدا فرنسيا، فإن الإتجاه الفينومينولوجي، هو تقليد بحيث ظهر في ألمانيا بالخصوص مع " ادموند هوسرل"، الذي يرى من خلال الوحدة التركيبية للموضوع ومن خلال نظرية القصدية، التي تعتبر الفكرة المركزية في الفينومينولوجيا، إن العلم غير موجود كوحدة معزولة وكشيء يمكن إدراكه مجرد عن الذات، بل أصبح هذا الموضوع يفهم ويدرك باعتباره شبكة من العلاقات، لأن الوحدة الحقيقية للموضوع تكمن في اتصاله بالذات ، التي تكشفه وتشكل له مشكلة في نفس العملية.

إن التأثير متبادل بين الذات والموضوع، فليس هناك الوعي المفكر المعزول والمتعالي من جهة، والموضوع أو الشيء معزولا لا يمكن إدراكه كوحدة مجردة من جهة أخرى، إن النظرية القصدية حسب هوسرل بعدان أساسيان: بعد يمتد من الوعي إلى الموضوع وهو البعد الفينومينولوجي المعالي. وبعد آخر يمتد من الموضوع إلى الوعي، بإرجاع التجربة المباشرة للموضوع إلى الذاتية التي تشكل ذلك الموضوع وتذركه. إن هذه الأفكار تعبّر عن وجهة نظى الفينومينولوجيا التي يُعتبر ماكس فيبر من أبرز ممتليها الذي يرى أنه ينبغي اعتبار العلوم الإنسانية علوما مستقلة ووناضج، على خلاف مايعتقده انصار الإتجاه الوضعي، الذين يتحدثون عن تأسيس هذه العلوم وكأنها لم تكم موجودة منذ القدم، ولذلك تدرك دون أن يكون الأمر بحاجة إلى برهان أن العلوم الإنسانية لا تدرس موضوعا خارجيا بالنسبة للإنسان، ومن تم فالإنسان هو خالق الأفعال والأعمال الإنسانية على غرار باقي إنتاجات الإنسان الأخرى.

خلاصة

    إذن من خلال ما سلف ذكره اتضح مدى التباين والتضارب في الأراء والمواقف بين المفكرين بخصوص قابلية الظواهر الإجتماعية للدراسة العلمية مثلها مثل الوقائع الطبيعية ،تضارب وتناطح يكشف مدى تدخل الخلفيات الإيديولوجية للباحث، إلى جانب البعد النفعي للدراسات والأبحاث التي يقوم بها علماء الإجتماع على اختلاف مشارجهم . لكن هذا لا ينفي وجود دراسات علمية قيمة استفادت منها العلم والانسانية.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق